الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

227

تفسير روح البيان

حقه بالجنة والوصول وَنَذِيراً لمن كذبه ولم يعرف قدره ولم يؤد حقه بالنار والفراق أو بشيرا لمن اقبل إلى اللّه بنعت الشوق ونذيرا لمن اقبل إلى نفسه ونظر إلى طاعته أو بشيرا لأوليائه بنيل المقامات ونذيرا لهم يحذرهم من المخالفات لئلا يسقطوا من الدرجات أو بشيرا بمطالعة الرجاء ونذيرا بمطالعة الخوف أو بشيرا للعاصين بالشفاعة والغفران ونذيرا للمطيعين ليستعملوا الأدب والأركان في طاعة الرحمن أو بشيرا لمن اخترناهم واصطفيناهم ونذيرا لمن أغويناهم فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ عن تدبره مع كونه على لغتهم والضمير لأهل مكة أو العرب أو المشركين دال عليه ما سيجيئ من قوله ( وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ) فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ سماع تفكر وتأمل حتى يفهموا جلالة قدره فيؤمنوا به وفي التأويلات النجمية فاعرض أكثرهم عن أداء حقه فهم لا يسمعون بسمع القبول والانقياد وفيه إشارة إلى أن الأقل هم أهل السماع وانما سمعوا بان أزال اللّه تعالى بلطفه ثقل الآذان فامتلأت الأذهان بمعاني القرآن سئل عبد اللّه ابن المبارك عن بدء حاله فقال كنت في بستان فأكلت مع إخواني وكنت مولعا اى حريصا بضرب العود والطنبور فقمت في جوف الليل والعود بيدي وطائر فوق رأسي يصيح على شجرة فسمعت الطير يقول ( أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ) الآية فقلت بلى وكسرت العود فكان هذا أول زهدى وقد ورد في التوراة انه تعالى قال « يا عبدي أما تستحيي منى إذ يأتيك كتاب من بعض اخوانك وأنت في الطريق تمشى فتعدل عن الطريق وتقعد لأجله وتقرأه وتتدبره حرفا حرفا حتى لا يفوتك منه شئ وهذا كتابي أنزلته إليك انظره كم فصلت لك فيه من القول وكم كررت فيه عليك لتتأمل طوله وعرضه ثم أنت معرض عنه أو كنت أهون عليك من بعض اخوانك . يا عبدي يقعد إليك بعض اخوانك فتقبل عليه بكل وجهك وتصغى إلى حديثه بكل قلبك فان تكلم متكلم أو شغلك شاغل عن حديثه أو مات اليه ان كف وها انا مقبل عليك ومحدث لك وأنت معرض بقلبك عنى أفجعلتنى أهون عندك من بعض اخوانك » كذا في الاحياء وَقالُوا اى المشركون لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند دعوته إياهم إلى الايمان والعمل بما في القرآن قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ جمع كنان وهو الغطاء الذي يكنّ فيه الشيء اى يحفظ ويستر اى في أغطية متكاثفة مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ اى تمنعنا من فهم ما تدعونا اليه وتورده علينا وحذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه وحذف متعلق حرف الجر أيضا شبهوا قلوبهم بالشيء المحوى المحاط بالغطاء المحيط له بحيث لا يصيبه شئ من حيث تباعدها عن ادراك الحق واعتقاده قال سعدى المفتى ورد هنا كلمة في وفي الكهف على لان القصد هنا إلى المبالغة في عدم القبول والأكنة إذا احتوت عليها احتواء الظرف على المظروف لا يمكن ان يصل إليها شئ وليست تلك المبالغة في علي والسياق في الكهف للعظمة فيناسبه أداة الاستعلاء وَفِي آذانِنا وَقْرٌ اى صمم قال في القاموس الوقر ثقل في الاذن أو ذهاب السمع كله شبهوا أسماعهم بآذان بها صمم من حيث إنها تمج الحق ولا تميل إلى استماعه وفي التأويلات النجمية ( وَفِي آذانِنا وَقْرٌ ) ما ينفعنا كلامك قالوه حقا وان قالوا على سبيل الاستهانة والاستهزاء لان قلوبهم في أكنة حب الدنيا وزينتها مقفولة